أنس أيضاً كان يريد الحياة!

13 اغسطس 2025
+ الخط -

مفاجأة؟

لم يكن أنس الشريف محبًّا للموت بهذا القدر، ولا أحد في غزّة عمومًا كان يريد الموت من البداية، حتى محمد الضيف، كان يحبّ الحياة، وبرشلونة، وأشياء أخرى، يتردّد بشأن شراء "قلاية كهربية" في منزله، تدخل المنزل ثم يُعيدها مرّةً أخرى، وقد شعر بالحرَج أن يسبق إخوانه بشيءٍ من متاع الدنيا، وأنس؟

كان يحبّ المزاح، وصحبة الشباب، وليالي الشاي والقعدة، كان يحبّ أن يعيش، أن يسافر، أن يذهب إلى الدوحة ربّما مثلما تمنّى عليه الكثيرون، لكن بعد الحرب، بعد أن تشفى جراح غزّة، ولا بأس بمن سيسافر في أيّ وقت، من حقّ كلّ الناس أن يختاروا البقاء أو الرحيل، وفي كليهما مشقة وعناء ما دام الإنسان من غزّة أصلًا، ولكن المعيب أن يظن أحدٌ أنه يتفضّل بزيادة عقل ومنطق عن آخرين فضّلوا الحياة في غزّة، ولو موتى مؤجّلين، ولو في ثياب كأنّها أكفان، ولو على راحتَي الموت يقلبهما متى يشاء.

يظنّ البعض أنّ أنس اختار الموت، والحقيقة هو اختلاف تعريف الموت والحياة بالنسبة له ولغيره من أهل غزّة، كثرٌ يريدون العيش، ولكن ليس بالطريقة التي يقتاتون فيها على سيَر الضحايا الراحلين، وليس بالطريقة التي يزايدون بها على الذين اختاروا مسارًا مختلفًا، غير منطقي، ولا عقلاني بالمرّة، لا يدفعون آلاف الدولارات ليغادروا بما يحملون من جراح، ولا يقفون على طوابير المغادرة في محاولات مُستميتة للفرار من موتٍ محتوم، وذلك حقّهم، ونعالهم جميعا على رؤوسنا، ولكن كان أنس سيُشير فقط، سيقول، سيهمس، وسيجد نفسه وعائلته على متن طائرة عاجلة تقلّه إلى حياة مترفة، ولكنه رأى في الرسالة التي يقدّمها شيئًا يدفعه للتمسّك بالموت على هذا النحو، بالبقاء على هذا الخيار المضطرب، أن تكون الحياة على كفّ عفريت، لا تكاد تتصل حتى تنقطع، ولا تكاد تعيشها حتى تتركها من دون رجعة.

يريدون غزّة، ولا يريدون إبادة أهل غزّة في الآن ذاته، لأنّ قلوبهم الحنونة تقترح عليهم خياراً آخر، وهو "العيش" بالطريقة التي ينصّ عليها العقل الأميركي الأبيض، ووكيله الاستعماري الصهيوني!

الفكرة يا سيدي، أنّ من اختار الرحيل عن غزّة هو مجاهد ومرابط وألف صفة عزيزة في الإنسان، ولولا ما لاقى ما رحل، ولولا علمه ببقاء البقية، ولو كان آخر واحد متبقٍّ لاختار البقاء، لكنه اطمأن لوجود أهل ينوبون عنه في حماية الأرض، والأهل كذلك تركوا له ذلك الخيار مع دموع الوداع والحبّ، وكذلك من اختار الرباط في غزّة هو سيد الأكرمين، وأكرم السادة الأبرار الأخيار، الذي كان له "الخيار" بأن يذهب ولم يذهب، فذلكم الرباط فذلكم الرباط، ولكن ثمّة صنف ثالثٌ لا ينتمي إلى هذا ولا إلى ذاك، مذبذب بينهما، يتشكّل من مجموعة عقَد نفسية، يلتقي وسردية الاحتلال في خطّ واحد، بأن من بقي في غزّة بالضرورة قد اختار الموت، كأنّ على من يحيا في أرضه أن يموت، وأنّ من أراد الحياة فليرحل في أقرب طائرة، فما الفرق بين هذا وتصريحات نتنياهو مثلا وبن غفير وسموتريتش وترامب؟ يريدون غزّة، ولا يريدون إبادة أهل غزّة في الآن ذاته، لأنّ قلوبهم الحنونة تقترح عليهم خيارًا آخر، وهو "العيش" بالطريقة التي ينصّ عليها العقل الأميركي الأبيض، ووكيله الاستعماري الصهيوني، فقط ارحلوا، وستكونون "الفلسطيني" الذي نحبّه، نقدّره، نستضيفه، نعطيه ما يرجو، ونحمّله فوق رؤوسنا جميعا، حينها، لن يكون لدى نتنياهو حتى مشكلة بأن يرفع بنفسه العلم الفلسطيني، فوق نصب تذكاري، لمئة ألف شهيد قتلهم في أرض غزّة الفارغة!