"أنا جعان"... وما بعدها!
بهذه الصرخة كان يعلن الطفل عبدالله أبو زرقة عن نفسه، يعرّفنا به من قرب أكثر، قرب بعيد جدًا، قرب لدرجة رؤية عظامه من تحت جلده، وبعد لدرجة عدم قدرتنا على تعديل المشهد إلى قليل من اللحم يملأ الحشا.
يقول بلسان حاله إنني طفل من غزّة، المحاطة بملياري مسلم، وأربعمئة مليون عربي، 30% منهم يعانون السمنة المُفرطة. يبكي، وفي عينيه ألف سؤال يبحث عن إجابة واحدة، يستفسر بأكثر من صيغة: أين؟ كيف؟ من؟ لمن؟ لماذا؟ متى؟ وإلى متى؟ ولا يريد الجواب قولًا، ولا شرحًا، ولا تبريرًا، ولا خطبة، وإنما "لقمة" تغنيه عن كلّ تلك الدوّامات التي لا تنتهي.
مفارقة أنّ عبدالله استُشهد في تركيا، حيث لفظ آخر أنفاسه وهو على سرير طبي عالي الجودة، حيث تُقدّم له الرعاية، والوجبات، والتمريض بانتظام. لكن سبق السيف العذل، وكان القدر محتومًا، لم ينقذه أيّ استعراض بائس، ولا مستشفى بعد انتشار المرض وتوغّل السقم، ليس إلى جسده، وإنما في جسد أمة مريضة إلى درجة القرف، وحكومات وأنظمة بلا دم، ولا ضمير، ولا إحساس، ولا حتى قدرة على الاستعراض في الوقت المناسب. لامبالاة عجيبة، وبرود غريب على منطقة تزخر بكلّ تلك الحرارة، كأنّنا في قطب شمالي يجمّد الدماء قبل مياه البحيرات، ويجفّف منابع القلب والدمع والأوردة، جفافًا تامًا، وجفاءً لا يضاهى.
من يقنع الأمعاء الخاوية بأنّها قادرة على الامتلاء من جديد بعدما زهدت في الحياة بقدر ما رغب فيها الموت؟
لا تتوقّف المأساة على حدود "المجوَعة" (ولعلها محاولة تحريف لمصطلح المجاعة الذي بات كالمسكّن الذي أدمنه الجسم وتأقلمت عليه الخلايا فلا يفعل شيئًا جديدًا) بل تمتدّ إلى ما بعدها، فهَب أن فُتِح المعبر، ودخلت الأغذية، وانتشرت الأطعمة والوجبات، من يعيد إلى الغزيين صحتهم، ومن يقنع بطونهم مجدّدًا بأنهم ما زالوا أحياءً وأنّ أصحابها لم يموتوا؟ ومن يقنع الأمعاء الخاوية بأنّها قادرة على الامتلاء من جديد بعدما زهدت في الحياة بقدر ما رغب فيها الموت؟ تلك إذًا جريمة متكاملة، جريمة غير قابلة للإصلاح، ولا للمصالحة، ولا لمحاولة استرضاء غزّة بفتات يُلقى إليها من جديد! تلك جريمة، منتهية، وأيّا يكن ما سيحدث فهو مجرّد محاولة لعدم ارتكاب خطيئة أخرى، أما تلك، فقد ارتُكبت واللي كان كان!
يسائلنا عبدالله جميعًا، بحقّ صعوده إلى السماء، وبحقّ دفنه في الأرض، وبحقّ طفولته المشوّهة، وأيامه الحزينة، وسنوات عمره الضئيل الضائعة، وآلامه التي هي أكثر مليون مرّة من أيّ لحظة حلوة يتذكرها، وتلوّث الغارات الذي لم ينفِه عنه هواء البوسفور ولا زرقة مائه ولا غابات بلغراد ولا أجواء إسطنبول بين القارتين، جرحٌ يشاء الله أن لا يندمل، أن يذهب به غائرًا، داميًا، كما هو من دون تعديل، كسرًا لا يجبر، وجوعًا لم يسمن، وحاجة لم تلبَّ، وذنبًا جماعيًا لم يغفر، كيف يبدو الموت (ما بعد الجوع) يا عبدالله؟ كيف يبدو حتميًا إلى درجة أنّ الإطعام بعد التجويع لم يعد مُغريًا للبقاء على قيد الحياة؟ ماذا رأيت يا صغيري، وكيف وجدت أوّل لقمة في الجنة؟
الآن أبكي، وتضحك، وأخشى، أننا غدًا سنبكي أكثر بكثير.