أحمد أبو شاويش... كورال ينقذ طفولة غزة
"ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً"، كما كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش.
حين يرفع أحمد أبو شاويش يديه، لا يبدأ الغناء مباشرة. يسبق الأغنية صمت قصير، يراقب خلاله وجوه الأطفال المتحلّقين حوله داخل مساحة ضيقة بين الخيام. بعضهم ينظر إلى الأرض، وآخرون يتشبثون بأيدي بعضهم بعضاً، ثم يطلب منهم أن يصفقوا مع الإيقاع، ويبدأ اللحن. شيئاً فشيئاً ترتفع الأصوات، وتنسحب ملامح الخوف لتحل محلها ابتسامات مترددة. في تلك اللحظات، يبدو وكأن الحرب تقف خارج الدائرة، ولو لدقائق.
لم يكن أبو شاويش يتوقع أن يصبح الغناء الجماعي جزءاً من الاستجابة الإنسانية للحرب. قبلها، كان الكورال نشاطًا فنياً وثقافياً محدود الحضور، أما اليوم فقد تحول إلى مساحة يحاول الأطفال من خلالها استعادة شيء من طفولتهم التي التهمتها الحرب.
بعد نحو ستة أشهر من اندلاعها، بدأ يتنقل بين مراكز الإيواء وخيام النازحين، يجمع الأطفال في حلقات صغيرة، ويغني معهم الأغاني الشعبية والوطنية وأغاني الطفولة. لم يكن المشروع مدعوماً في بدايته، بل كان مبادرة تطوعية انطلقت من إيمان بسيط بأن الطفل يحتاج، إلى جانب الطعام والدواء، إلى مساحة يشعر فيها بأنه ما زال طفلاً.
يتذكر تلك الأيام قائلاً إن كثيراً من الأهالي لم يكونوا يرون في الغناء أولوية، فقد كانت الحياة كلها تدور حول البحث عن الماء والطعام والمأوى. لكن المشهد تغير مع الوقت، بعدما بدأوا يلاحظون أثر تلك اللقاءات على أطفالهم؛ إذ أصبحوا أكثر تفاعلاً، وأكثر قدرة على التعبير عن مشاعرهم، وأقل ميلاً إلى الانعزال.
لم يكن أبو شاويش يتوقع أن يصبح الغناء الجماعي جزءاً من الاستجابة الإنسانية للحرب
لم يكن أبو شاويش يقدّم نفسه معالجاً نفسياً، لكنه أدرك، مع استمرار التجربة، أن الموسيقى تستطيع أن تفتح نافذة يصعب على الكلمات فتحها. لذلك؛ خضع مع فريقه لتدريبات في العلاج بالموسيقى، وأصبح الكورال جزءاً من برامج الدعم النفسي التي تنفذها مؤسسات محلية ودولية، إلى جانب المختصين.
يؤمن بأن الغناء الجماعي يمنح الأطفال أكثر من مجرد متعة عابرة؛ فهو يعيد إليهم الإحساس بالانتماء، ويخلق بينهم روابط افتقدوها مع النزوح وفقدان البيوت والمدارس. فحين تتوحد الأصوات في لحن واحد، يشعر كل طفل بأنه ليس وحيداً في مواجهة الخوف.
ومن بين مئات الأطفال الذين مروا في الكورال، بقيت رهف ورباب صبح حاضرتين في ذاكرته. خرجتا من تحت الأنقاض في الأيام الأولى للحرب، ثم وقفتا بعد أشهر تغنيان مع بقية الأطفال. لم يكن الغناء يمحو ما حدث، لكنه منح قصتهما لغة أخرى غير البكاء، حتى انتهت التجربة بفيلم قصير يوثق كيف يمكن للأغنية أن تتحول إلى شهادة على النجاة.
لا يتحدث أبو شاويش عن الموسيقى بوصفها بطولة، بل بوصفها ضرورة. وهو يدرك أن الأغنية لن تعيد بيتاً هُدم، ولن تعوض أماً فقدت طفلها، لكنها قد تحمي طفلاً آخر من الغرق الكامل في الصمت. لذلك، كلما ناداه الأطفال: "كابتن... بدنا حفلة"، يدرك أن ما ينتظرونه ليس حفلة بالمعنى التقليدي، بل مساحة يشعرون فيها، ولو لساعة، بأن الحرب ليست كل ما في حياتهم.
وخلال الأشهر الماضية، شارك أبو شاويش في مبادرات استهدفت مئات الأطفال في المخيمات ومراكز الإيواء، من بينها مبادرة "غزة التي نريدها"، كما تعاون مع مؤسسة تامر وعدد من المبادرات الخاصة بالأطفال الأيتام.
الغناء الجماعي يمنح الأطفال أكثر من مجرد متعة عابرة؛ فهو يعيد إليهم الإحساس بالانتماء، ويخلق بينهم روابط افتقدوها مع النزوح وفقدان البيوت والمدارس
ورغم أن الفتيات يُقبلن على الغناء أكثر من الفتيان، الذين يميل كثير منهم إلى الأنشطة الرياضية والحركية، فإن أبو شاويش يرى أن الأطفال جميعاً يبحثون عن الشيء نفسه: مساحة يشعرون فيها بالأمان، بعيداً عن أخبار القصف والنزوح والفقد.
في تعريفه الفني، يقوم الكورال على تعدد الأصوات التي تتناغم في لحن واحد. أما في غزة، فقد اكتسب معنى آخر؛ إذ لم يعد مجرد أداء موسيقي، بل صار تمريناً يومياً على استعادة الثقة بالنفس، وكسر العزلة التي تفرضها الصدمات، وتذكير الأطفال بأن أصواتهم ما زالت قادرة على أن تُسمع، رغم كل ما يحاول إسكاتها.
ربما لا تستطيع أغنية أن توقف حرباً، ولا أن تعيد بيتاً هُدم أو عائلة تفرقت، لكنها تستطيع أن تمنح طفلاً دقيقة يضحك فيها من قلبه، أو يرفع صوته دون خوف. ولهذا؛ يواصل أحمد أبو شاويش الوقوف في منتصف الدائرة، رافعاً يديه مع بداية كل أغنية، مؤمناً بأن الموسيقى ليست رفاهية في زمن الحرب، بل إحدى الطرق الهادئة للدفاع عن الطفولة.
فالكورال، في مدينة اعتادت أن يعلو فيها صوت الانفجار، لم يعد مجرد فن يجمع الأصوات، بل صار فعلاً يجمع القلوب أيضاً؛ مساحة صغيرة يتعلم فيها الأطفال أن الغناء، مثل الأمل، لا يحتاج إلى مسرح كبير، بل إلى من يؤمن بأن للحياة لحناً يستحق أن يُغنّى، حتى في أكثر الأزمنة قسوة.